الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

232

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

رحمته الأمن وفي الآخرة بالدرجات العلى . والكلام على ( لعل ) تقدم في غير موضع في سورة البقرة . [ 57 ] [ سورة النور ( 24 ) : آية 57 ] لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 57 ) استئناف ابتدائي لتحقيق ما اقتضاه قوله : وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [ النور : 55 ] ، فقد كان المشركون يومئذ لم يزالوا في قوة وكثرة ، وكان المسلمون لم يزالوا يخافون بأسهم فربما كان الوعد بالأمن من بأسهم متلقى بالتعجب والاستبطاء الشبيه بالتردد فجاء قوله : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ تطمينا وتسلية . والخطاب لمن قد يخامره التعجب والاستبطاء دون تعيين . والمقصود من النهي عن هذا الحسبان التنبيه على تحقيق الخبر . وقراءة الجمهور : تَحْسَبَنَّ بتاء الخطاب . وقرأ ابن عامر وحمزة وحده بياء الغيبة فصار الَّذِينَ كَفَرُوا فاعلّ يحسبن فيبقى ليحسبن مفعول واحد هو مُعْجِزِينَ . فقال أبو حاتم والنحاس والفراء : هي خطأ أو ضعيفة لأن فعل الحسبان يقتضي مفعولين . وهذا القول جرأة على قراءة متواترة . وقال الزجاج : المفعول الأول محذوف تقديره : أنفسهم ، وقد وفق لأن الحذف ليس بعزيز في الكلام . وفي « الكشاف » أن فِي الْأَرْضِ هو المفعول الثاني ، أي لا يحسبوا ناسا معجزين في الأرض ( يعني ما من كائن في الأرض إلا وهو في متناول قدرة اللّه إن شاء أخذه ، أي فلا ملجأ لهم في الأرض كلها ) قال : « وهذا معنى قوي جيّد » . والمعجز : الذي يعجز غيره ، أي يجعله عاجزا عن غلبه . وقد تقدم عند قوله تعالى : إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في سورة الأنعام [ 134 ] . وكذلك المعاجز بمعنى المحاول عجز ضده تقدم في قوله تعالى : وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ في سورة الحج [ 51 ] . والأرض : هي أرض الدنيا ، أي هم غير غالبين في الدنيا كما حسبوا أنه ليس ثمة عالم آخر . و فِي الْأَرْضِ متعلق ب مُعْجِزِينَ على قراءة الجمهور وعلى بعض التوجيهات من قراءة حمزة وابن عامر ، أو هو مفعول ثان على بعض التوجيهات كما